|
بعد متابعة مرافعة الاستجواب بين وزير الداخلية الشيخ جابر الخالد والنائب مسلم البراك، لا يمكن الخروج بموقف أو نتيجة قبل التجرد من الانتماءات السياسية والطائفية أو القبلية، فهذا الاستجواب تحديداً يحمل أهدافاً متعددة، منها تلاقي مصالح مشتركة للنواب، وأخرى لمصالح رعاة الفساد في الدولة.
أمّا التجرد من الانتماءات فلا يعني التجرد من النصوص الدستورية والمبادئ الوطنية والأخلاقية، فحين يقول الدستور في مادته رقم 17 'للأموال العامة حرمة وحمايتها واجب على كل مواطن' لم يصنف واجب حماية أموال الدولة وفقاً للتوزيعات الاجتماعية أو الجغرافية للمواطنين، فالمواطن السني أو الشيعي يحمل كلاهما ذات المسؤولية في الدفاع عن المال العام، والمواطن الحضري والبدوي كذلك، والهدف هو فعل الحماية وليس من بادر بالفعل.
والأموال العامة بحسب القانون يتساوى فيها الدينار مع المليار، وكرسي موظف في وزارة ما يتساوى وقطعة أرض ملك للدولة تمتد مساحتها إلى ألف متر مربع على البحر، فالمال العام كل لا يتجزأ إلى شرائح، ولا تختلف قيمته أمام القانون وفقاً للمبلغ أو الحجم.
ولأن متابعة قضايا الأموال العامة لها نكهة خاصة بين الأوساط السياسية والشعبية، نرى أن المحور الأول المتعلق بقيمة اللوحات الإعلانية من استجواب الوزير الخالد اتخذ حيزاً كبيراً في النقاش في المنتديات العامة والدواوين، وأصبح المادة الأولى للمدونين ومواقع الإنترنت نظراً لقيمة العقد المرتفعة.
وما بين مؤيد للوزير الخالد بصرف النظر عن ردوده، وآخر معارض له على طول الطريق لأسبابه الخاصة، هنالك فريق وجد في إحالة وزير الداخلية عقد اللوحات الإعلانية الى النيابة العامة سبباً 'مقنعاً' للوقوف معه ضد طلب طرح الثقة، علماً أن الإحالة لم تشمل اتهام أي موظف في الوزارة.
كذلك، فإن إحالة العقود الحكومية، أو التجاوزات كما يصفها البعض، الى النيابة العامة كموقف حكومي لمواجهة استجواب أو الهروب منه (وتحديداً حين يكون البلاغ ضبابياً وغير مستند إلى لجنة تحقيق سابقة توجه الاتهام لأفراد) يشكل أولاً عبئاً غير مبرر على السلطة القضائية ويضعها في مرمى مواجهة، في حين أنها ليست معنية بالبحث عن متهم أو تجاوز بقدر ما يقع دورها في التحقيق في جريمة واقعة، لذا نجد أن كثيراً من الإحالات السابقة انتهت الى حفظ القضية لـ'عدم كفاية الأدلة'.
وثانياً، تشكل الإحالة الحكومية إلى النيابة بالصورة أعلاه سلوكاً خطراً على المدى الطويل على الدولة اذا ما بدأت قناعات أعضاء السلطة التشريعية و'الرقابية' تكتفي بمثل هذا الإجراء، وأصبحت الإحالة الى النيابة إجراء أقرب ما يكون إلى قانون أو عرف يرسم خطاً فاصلاً لحدود الرقابة البرلمانية 'السياسية' على السلطة التنفيذية، وهذا ما تهدف إليه قوى الفساد المعادية للديمقراطية، فإن كانت السلطة القضائية مسؤولة عن الشق الجنائي في التعدي على المال العام، فمسؤولية المحاسبة في الجانب السياسي تقع على عاتق السلطة التشريعية.
كما أن هذا السلوك من شأنه تفريع جهاز ديوان المحاسبة، وهو الذراع الرقابية اليمنى لمجلس الأمة، من دوره المنوط به، فوفق هذا السلوك، بإمكان الحكومة إحالة تقارير ديوان المحاسبة كافة إلى النيابة العامة ودون اتهام أي طرف، لتعزل بذلك تقارير الديوان عن مجلس الأمة وتصبح بلا قيمة سياسية، ولا يمكن حينها للنواب الاستناد إليها أو إثارتها بحجة أنها منظورة أمام القضاء.
وفي استجواب وزير الداخلية، هناك شبه إجماع شعبي على وجود شبهات في عقد اللوحات الإعلانية، حتى الفريق المعارض لطرح الثقة في الوزير يقول إن الأسعار مبالغ فيها، وإن كان لا يجهر بهذا الاعتراف، الذي يصطدم بواقع الحسابات السياسية على حساب النصوص الدستورية والمبادئ الوطنية والأخلاقية.
وكما أن مفهوم المال العام لا يتجزأ، فالمبادئ الوطنية والأخلاقية لا يمكن أن تُفصَّل حسب القضية المطروحة، فاستجواب وزير النفط الأسبق الشيخ علي الجراح المقدم من النواب عبدالله الرومي وعادل الصرعاوي ومسلم البراك وُلد نتيجة كلمة جاءت في مقابلة صحافية مع الوزير الجراح رأى النواب فيها ما يمكن أن يشكل تهديداً على سير قضية الناقلات الشهيرة، وأضيف إلى الاستجواب أيضاً محور آخر تعلق بالتفريط في المال العام بإقامة حفلات خاصة، فجاء الاستجواب بالرغم من اعتذار الشيخ الجراح علانية، وتبعه تقديم طلب حجب الثقة بالوزير، إيماناً من مقدمي الاستجواب وكثير من النواب بمبدأ المحافظة على الأموال العامة.
غير أن الشواهد الحالية في استجواب الشيخ الخالد تشير الى أن كثيراً من النواب المدافعين عن المال العام يريدون أن يغضوا البصر عن هدر الخمسة ملايين دينار لحسابات سياسية، وأحيانا بحجة الابتعاد عن التأزيم، متنازلين عن دورهم في محاسبة الوزير 'سياسياً'، علماً بأن الوزير كشف عن تناقض واضح في مرافعته، فهو يدافع في جلسة الاستجواب عن العقد بالوثائق والمستندات ويؤكد أنه سليم وتم اتخاذ الإجراءات القانونية كافة- كما يرى- وفي المقابل يحيل العقد إلى النيابة بحجة وجود شبهة تنفيع على حساب المال العام!
وأخيراً، فإن أعضاء مجلس الأمة اليوم أمام اختبار حقيقي، خصوصاً نواب التيار الوطني، فهم من حمل لواء الدفاع عن المال العالم في قضية الناقلات رغم وجودها في أروقة المحاكم، فهل يتنازلون اليوم عن مبادئهم مقابل... خمسة ملايين دينار؟ فلندع الأربعاء المقبل يجيب عن هذا السؤال.
|