|

إن كان من مفاجآت حقيقية في جلسة الافتتاح يوم أمس، فهي مفاجآة غياب أعضاء السلطة القضائية عن حضورها، وأيا كان التبرير الذي ساقه رئيس مجلس الأمة جاسم الخرافي للصحافة عن عدم صحة ما نشر من مقاطعة قضائية للجلسة وانشغال القضاءة بالتزاماتهم في المحاكم، فهذا الإعتذار "الرقيق" بحد ذاته رسالة واضحة من السلطة القضائية للسلطة التشريعية على تدهور العلاقة بينهما.
القول أن غياب القضاة عن جلسة الافتتاح سببه الإنشغال بالمحاكم، قولٌ يحتاج الى قراءة ما بين سطوره، فالقضاة وعلى ومدى أدوار الانعقاد الماضية من الفصول التشريعية السابقة لم تشغلهم المحاكم عن جلسات الافتتاح، وجرت العادة أن تأجل جلسات المحاكم ساعات محددة دون تعطيل مصالح المتقاضين، ليتشرف القضاة بحضور جلسات الافتتاح والاستماع الى النطق السامي لسمو أمير البلاد.
لماذا غاب القضاة؟
قراءة الأسباب الحقيقية لغياب السلطة القضائية عن جلسة الأمس تعود بنا أسابيع قليلة الى الوراء، حيث اختلط حابل نقد الأحكام القضائية بنابل مس هيبة القضاء وسمعته وصولا الى التشكيك بنزاهته إثر الأحكام الصادرة بالطعون الإنتخابية.
وأمام هذا السيل الإعلامي السلبي تجاه السلطة القضائية – وتحديدا من أعضاء السلطة التشريعية – وجد القضاة أنفسهم بعزلة خانقة، فلا هم قادرون على الدفاع أن أنفسهم حفاظا على هيبة سلطتهم، ولا السلطة التنفيذية هي الآخرى ممكن لها اتخاذ موقف تجاه ما يحدث من باب فصل السلطات.
حين يحاصر الفرد من جميع الجهات بالإنتقاد السلبي والتشكيك في نزاهته، وهو سجين قلة الحيلة، فمن الطبيعي أن يأتي الفعل والتصرف على قدر الآلم، وهذا تحديدا ما حدث مع أعضاء السلطة القضائية حين سجلت موقفا بمقاطعتها الجلسة.
مبدأ فصل السلطات الدستوري له مغزى في ادارة شؤون الدولة لضمان عدم تداخل السلطات في أعمالها، الإ أن الدستور وفي ذات نص المادة أكد على مبدأ أهم وهو التعاون بين السلطات .. هذا المبدأ الذي انعدم في العلاقة بين جميع السلطات بعد أن كان سمة محصورة ما بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
لقد وقفت السلطتان التشريعية والتنفيذية موقف المتفرج من مقاعد الجمهور، وفي الملعب فريق يهاجم – نواب وكتاب وآخرون - وآخر لا يستطيع الدفاع – السلطة القضائية - عن مرماه، فتسجل الأهداف تلو الأهداف.
كان حريا برئيس مجلس الأمة جاسم الخرافي التدخل الفوري واستدعاء النواب المتطاولون على القضاء، كان حريا برئيس الحكومة الشيخ ناصر المحمد تفعيل قانون المطبوعات - برغم سوءه – لوقف التطاول على السلطة القضائية في الصحف، الإ أن أيا من هذا لم يحدث .. تخلى الجميع عنهم.
سمو القضاء
الحديث السابق عن التطاول على السلطة القضائية، ليس بحديث الفراغ أو التجني، فقد سجل النطق السامي سابقة في التحذير من المساس بالسلطة القضائية، اذ قال سمو الأمير "انني لن أقبل لأي كان وتحت أي ذريعة أن تُمس الوحدة الوطنية في أي من مكامنها الامنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، أو أن تُمس السلطة القضائية بأي شكل من الاشكال".
فإن كان غياب السلطة القضائية عن حضور جلسة الأمس رسالة، فالنطق السامي حمل رسالة أخرى أشد تحذيرا من المساس بالسلطة القضائية، وهذه الرسالة موجه من رئيس السلطات الثلاث الى العامة بما فيها السلطتين التشريعية والتنفيذية.
تضمن النطق السامي هذه الرسالة "المحذرة" تعكس تلمس سموه لما آلت اليه الأوضاع تجاه القضاء، ووصول حرب التطاول الى محرابه.
البلاد اليوم
إننا نرى البلاد اليوم وقد غطى الصدأ السلطتين التشريعية والتنفيذية، زاحفا تجاه السلطة القضائية لا بسبب القضاء ذاته، بل بفعل العوامل المؤثرة من حوله.
إننا نرى البلاد اليوم وقد أضاع مجلس الأمة بوصلته التشريعية والرقابية، وضعفت هيبة الحكومة وقوانينها، والسلطة القضائية تحاول جاهدة "بصمت" حماية كيانها من عدوى المجلس والحكومة.
إن كانت البلاد قائمة على السلطات الثلاث، فنحن اليوم أمام دولة سقط فيها ركنان، ويترنح فيها الركن الآخير – السلطة القضائية – أمام أمواج عاتية من الأزمات، وريح شديدة من الجشع وتغليب الخاص على العام، وجروح غائرة في جسد الدولة تسبب بها الصراع النيابي الحكومي.
حفظ الله الكويت .. حفظ الله الكويت
Tags: |