
أفاقت الكويت في الأول من يونيو على يوم جديد من أيام عمرها السياسي والدستوري والديموقراطي بافتتاح الفصل التشريعي الثاني عشر وإجراءاته البروتوكولية من انتخاب هيئة المجلس ولجانه، ولكنها لم تستفق من كابوسها الذي صنعته تداعيات تغيير دفة مسارها منذ عام 1976 وإعادة رسم الصورة في حينه بجميع مكوناتها وجميع تفاصيلها، وما نتج عنها من ظلال قاتمة في بداية الثمانينيات بأزمة اقتصادية خانقة واحتقان سياسي وشعبي في 1986، انتهى بكارثة الغزو الصدامي في صيف 1990، وما تبعه بعد التحرير من جمود وتراجع مدوٍ للبلاد على جميع الأصعدة، ولم يمنع سماع دويه وفداحة آثاره سوى سعر برميل النفط الذي يحلق في السماء رافعا أعمدة البلاد ومانع أساساتها من التهاوي.
بالأمس صودق مجددا على حالة الجمود وسلب الإرادة وبقاء الحال ذاتها تراوح مكانها، وترسيخ ولاءات المال والقبيلة والفئة والطائفة مرة أخرى بعد أن ثبّتها الناخب في السابع عشر من مايو الماضي، وأبت السلطة أن تقود وتكون سبّاقة وتعطي القدوة للشارع بإطلاقها إشارة التغيير والتوافق. بالأمس كانت في مقاعد قاعة عبدالله السالم «بشوت» معلقة على أكتاف من حملوا لواء تحدي القانون، تجر في أطرافها بقايا دنانير المال السياسي، وكان على جانبها «رتوش» للصورة من بقايا رجالات الكويت وتراثها، تظلل إطارها وتؤثر في مكوناتها دون أن تغير ملامحها، كانوا وحيدين مشتتين أضنتهم ضربات النفوذ والمال وتهاوت قواهم، وضاع صدى صوتهم في قفار السلطة والهيمنة والتفرد وفرض الأمر الواقع بكل أدوات البطش المالي ومفاعيل النفوذ وإذكاء العصبيات الدينية والعرقية.
وعلى وقع احداث الجلسة تبددت إرادة الناخب التي غُيبت، بعد أن نجح من خطط ونفّذ لتجييرها للطائفة والقبيلة و مراكز القوى المالية « المستأسدة» عبر سوق نخاسة الأصوات و«المساعدات الخيرية» والخدمات العامة التي ترمم لأصحاب الدواوين وملاحق بيوت الدخل المحدود وأحيانا المتوسط و التي تغرف من جيوبهم من مال المناقصات العامة المفبركة والمشاريع المصممة لهم والتلاعب بمدخراتهم في البورصة التي أصبحت ساحة هيمنتهم وتصفياتهم لتعيد فتاته فيما بعد لكفوفهم المرتجفة من حرج السؤال وذلّ سلب الإرادة. وبعد أن استحكم أيضا بالناس الإحباط والقنوط من التغيير والإنجاز لدى الأغلبية التي تريد نصيبها من الثروة، عاجلاً وليس أجلاً، بعد أن عرفت حدود اللعبة ومداها!.
لم تكن أحداث الجلسة ما بعد النطق السامي المعبر والحازم، مشوقة أو لافتة، فهي تفاصيل بروتوكولية لنهج مستمر لإدارة الدولة، لا تصنع فرقا فيه ممن احتل أو سيحتل المواقع ومن زكّى ومن انتخب وكم عدد الأصوات التي حصل عليها، فبرنامجهم معروف وأداؤهم مجرّب ومواقعهم في مؤسسات الدولة «أُممت» لهم دون منافس منذ زمن، وضاعت ذاكرة الأجيال أو نسخت لتنسى رجالات لهم تاريخ وتراث من العمل الوطني والنضال، لصالح من تربّع على امبراطورية المال والنفوذ، وتحالفاته في مراحل متعددة مع السلطة والتي يجني فوائد «أرصدتها» لأمد غير محدد وغير منظور.
ولن يكون مشوقا أيضا أن تحظى في القادم من الأيام بمقعد من مقاعد الجمهور في قاعة عبدالله السالم التي يتردد في جنباتها منذ سنوات رنين خطب ومداخلات محمد الرشيد وسامي المنيس وأحمد الخطيب وجاسم الصقر وحمد الجوعان وأحمد الشريعان ووليد الجري وأحمد الربعي وغيرهم من أعلام البلد، فالأمور محسومة وغالبية الأصوات نشاز مشحونة بالأصولية والتشدد والطائفية والمصالح الفئوية ونبرات غريبة تمحو هوية بلد وتنسخها لصالح جرها لصحارى التردي والانعزال، فلا تنمية ولا إصلاح دون تأسيس لمرحلة جديدة تأخرت منذ التحرير 1991، وقرار يؤمن به صاحب القرار، لأن سطوة المال والنفوذ أثبتت أنها «تسونامي» يستطيع أن يلتهم ويجيّر أي خطوة للإصلاح، وهو ما آلت اليه نتيجة كفاح ونضال الشباب الكويتيين من أجل الدوائر الانتخابية الخمس وكل ما اجتهد لإنجازه لهذا الغرض بعد أن طوع الناس وخربت نفوسهم طوعا أوجبرا وضاعت القدوة بعد أن يروا المرتشين ومتحدي القوانين والمستهترين بالدستور على منصات المناصب و في المواقع الحكومية الهامة، بالاضافة لما فعلته ممارسات السنوات الخمس والعشرين الماضية في صنع وترسيخ العصبيات والأصوليات بمختلف أنواعها.
لم يعد بهذه الأوضاع قيمة لما يمارس في هذه المؤسسة الدستورية الرئيسية على صنع مستقبل زاهر للبلد، بل إن الصورة واضحة ومآلها معروف، وبقاء تلك المؤسسة هو إرث ومكسب وطني مطلوب المحافظة عليهما فقط لاغير، ولم تعد الانتخابات النيابية تغير شيئا بعد أن أحكمت العملية آلياتها غالبا بالمال والعصبيات والطائفة، بل إن القتامة والضبابية والرمادية أصبحت ملامح الصورة الرئيسية وستكون ماثلة للدنيا كعبرة لأمم من بعدنا ليروا كيف تُخرب الأوطان وتتقهقر من المقدمة إلى القاع، وتتحول «أم الثلاث أسوار» و«ديرة الطيبين» مرتعا لصراع الجشع والنفوذ والأنانية المهلكة والقاتلة.


Digg
Del.icio.us
Reddit
Netscape
Furl
Yahoo
Googlize this
Blinklist
Facebook
Wikio
