
لم أعتد أن أعلق على ما يكتبه الزملاء كتّاب الرأي في الصحف، وفي معظم الأحيان لم أعتد أن أرد على ما يورده الزملاء من تعليقات على ما أكتبه شخصياً، وكنت أفترض أنّ التعليق والرد على التعليق من شأنهما أن يتحولا إلى سجال بين كاتبين سرعان ما يبتعد عن مناقشة الموضوع الأساسي المثار، ولهذا كنت أتجنب مثل هذا السجال!
ولست الآن في وارد المساجلة، ولكن ما كتبه اثنان من أبرز كتّاب الرأي في صحافتنا الكويتية، وهما الزميل الدكتور ناجي سعود الزيد، والزميل الصديق القديم الأستاذ عبداللطيف الدعيج في مقاليهما المنشورين في “القبس” يوم أمس متضمنين الدعوة لما يسمى “الحل غير الدستوري لمجلس الأمة”، وهو بالتحديد الانقلاب على النظام الدستوري، أمر له دلالة تستحق التوقف أمامها ومحاولة استقصاء أبعادها وتحليل معناها، وليس بهدف السجال مع الزميلين والجدال والتعليق والتعليق على التعليق والتعقيب والتعقيب على التعقيب والرد والرد المضاد!
فقد كتب الزميل الدكتور ناجي سعود الزيد في عموده شبه اليومي “الله بالنور” على الصفحة الأخيرة من “القبس”: “وإذا استمر أداء النواب بهذا الأسلوب فإنّ الإحباط والتذمر الشعبي سيؤديان إلى حلّ مجلس الأمة، وإذا استمرت الشتيمة فإنّ المطالبة بحل غير دستوري ليست في غير محلها، بل قد تكون هذه المطالبة جديرة بالتفكير... لأنّ وجود المجلس أصبح عائقاً أمام التنمية والإصلاح...”، أما الزميل عبداللطيف الدعيج فكتب في زاويته المقروءة على رأس صفحة “اتجاهات” عن عدم جدوى “الكي” وهو الحلّ الدستوري لمجلس الأمة، بحيث لم يبق غير “البتر”، الذي يعني به في الغالب ما يسمى “الحلّ غير الدستوري”، وذلك في معرض تبريره لما أورده موقعو “الوثيقة” بقوله إنّهم “مكتوون بمجلس الأمة ويبحثون عن وسيلة لتصحيح اعوجاجه وتقويم سلوكه. مع الأسف أبشرهم.. آخر الدواء الكي... وحتى الكي جربناه أكثر من مرة ولم يبق غير البتر...”!
لست هنا في معرض نقد الزميلين على موقفيهما، فمن حقهما أن يكتبا ما يريانه ويعتقدان به... ولكن عندما يكتب الزميلان ما كتباه، وهما كاتبان مرموقان ومن ذوي التوجهات الليبرالية والإصلاحية، ولهما، وخصوصاً الزميل الدعيج تاريخ حافل بمواقف الدفاع عن الحريات والحقوق الديموقراطية، بل وفي الدفاع عن الدستور وحتى عن مجلس الأمة كمؤسسة دستورية، وليس كممارسة نيابية تستحق الانتقاد... فإنّ هذا يعني، مع بالغ الأسف، أنّ عملية التحبيط، ولا أقول مشاعر الإحباط، وجهود التيئيس، ولا أقول الشعور باليأس، من جدوى العملية السياسية في إطار الدستور قد حققت أهدافها بامتياز، بحيث أصبح اثنان من أبرز كتّاب الرأي في البلاد يدعوان صراحة أو تلميحاً إلى القفز على الدستور وتعطيل الحياة النيابية و”بترها”!
وهذا مؤشر خطر، فقد نجح أعداء النظام الديموقراطي في تشويهه وابتذال ممارساته وإفساد آلياته الانتخابية وتخريب مؤسسته النيابية والعبث بها إلى الحدّ، الذي أصبح فيه الزميلان الدكتور ناجي سعود الزيد وعبداللطيف الدعيج يكتبان ما كتباه، ويصلان إلى ما وصلا إليه من استنتاجات، بما في ذلك موافقتهما على تسليم الأمر برمته إلى الطرف ذاته، الذي قاد ورعى بل ونفذ عملية التشويه والإفساد والتخريب والعبث... فلا حول ولا قوة إلا باللّه، وبما أو بمَنْ تبقى من القوى الحيّة في مجتمعنا الكويتي، إنْ كانت لا تزال ثمة قوى حيّة تتمسك بالنظام الديمقراطي وبمشروع بناء الدولة الكويتية الحديثة وفق دستور 1962، ولما يتم تحبيطها وتيئيسها بعد!


Digg
Del.icio.us
Reddit
Netscape
Furl
Yahoo
Googlize this
Blinklist
Facebook
Wikio
