
في مارس عام 1990.. آخر دعوة على العشاء تلقاها عزي وعمق ساسي، والدي طيّب الله ثراه، قبل أن يغيّبه الموت كانت من الشيخ محمد صباح السالم الصباح مع ثلاثة من رجالات الكويت الكرام في قصر المسيلة، وكان الحديث الدائر في تلك الجلسة المحفوفة جدا بهموم الشأن المحلي.. بعد أسبوع تعرّض والدي لوعكة صحية أُدخل على أثرها المستشفى..
وفي ممرات العناية المركزة الكئيبة في مستشفى الأميري، كنت أرى الشيخ محمد صباح السالم يزور والدي بشكل شبه يومي إلى أن توفاه الله.. رحمة الله عليك يا والدي، فقد علمتنا: «كونوا أوفياء.. ولكن صرحاء» .
قبل أن أبدأ، دعوني أقيد قلمي قليلا ليقف دقيقة صمتا، حدادا على أرواح شهدائنا.. الشيخ محمد، شهد الله أن لك في نفسي المكانة السامقة والمنزلة العالية كما كانت عند والدي.. لكن تلقيت خبرا مستفزا انتزع قلبي من مكانه، حينما أعلنت خبرا مفاده تبرع الكويت لإنشاء مستشفى ومساكن لائقة للمزارعين العراقيين في البصرة، وطالبت بأن يُفعل هذا الأمر بالسرعة الممكنة، بعد هذا الخبر الذي ضيّق الصدر يحق لي كمواطنة أن أتسأل: أين نحن من كل هذا؟!، وإلى متى نستجدي حقنا بسكن لائق؟!، وهل بعد عشرين عاما لم نستوعب الدرس؟!، فقد بُحَّت أصواتنا وجفّ الحبر بأقلامنا، وانبرت ألسنتنا ونحن نطالب ونقترح ونصيح منذ سنوات عن حق السكن لشريحة من نساء وطني هذه الشريحة التي تمثلها العازبة والمطلقة والأرملة دون أولاد، المغيّبة من بنود القانون الإسكاني، اللاتي لم يجدن سكنا يأويهن في ظل تبرع حكومتنا ببناء مساكن في البصرة! والمدهش حقيقة أن الحكومة تموّل وتبني وتعالج، وكأننا نحن من غزا العراق .
الشيخ محمد.. أين هذه التبرعات من تلك العازبة الحائرة بعد بيع بيت الورثة في ظل تنكر السند وانعدام المُعيل؟!، أين هذه الأموال من تلك المطلقة التي لم تشكل أسرة، ونعتت ببشاعة بـ «عضو غير فاعل بالمجتمع»، وهي تعيش الكفاف بتراكم الإيجار، وتنتظر ما تجود به أيادي المحسنين في دولة النفط في ظل أعلى سعر للبرميل؟ فأي عزاء.. بعد كل هذه المطالبات يرتد صدى الصوت إلينا خائبا بعد أن نُحر الشهيد مرة أخرى بعد سماع أول مسمار يدق في بيوت البصرة على رفات شهدائنا، وبعد سعي الحكومة بعزيمة ثابتة لتجاوز حقوقنا حتى أصابتنا الحيرة: بأي أساليب نقاربها؟ وبأي لغة نخاطبها؟ بعد أن أشاحت بوجهها عنا عن سابق إصرار وتصور بعد أن تمتمت في الغرف المغلقة، هذه الفئة لا تشكل أي رقم في المعادلة السياسية.. انتفضت متسائلة: هل فهمت الحكومة صمتنا وتسامحنا عجزا؟ وهل تريد الحكومة أن تقرر مستقبلنا من دوننا؟!، إذن ماذا ننتظر؟ وإلى متى نطيل الصمت؟! وأقولها بغضب، هل آن الأوان أن نخرج من بين الأقدام بحركة عنيفة تسقط كل الواقفين؟ تساؤل أخير: هل حان الوقت لتدويل قضيتنا بعد هذا التهميش المفضوح المضيِّق للصدور؟ في حينها يا شيخ تذكرت أبياتا من الشعر، واقتبست جزءا منها ووضعتها عنوانا للمقال، عل وعسى أن يتذكرها المسؤول ويرأف .
الشيخ محمد.. القاعدة السياسية التي تقول: «لا يوجد عدو دائم ولا صديق دائم، بل توجد مصالح دائمة»، قاعدة صحيحة والكل يتفق عليها، وأنا أتفق معك بسعي الكويت الدؤوب لجعل منطقة الحدود منطقة حدودية آمنة لا تداخل فيها كما هو حاصل الآن، لكي نستريح من الصداع المزمن الذي سببه المزارعون العراقيون في الجنوب على مدى السنوات الماضية، هذا الجنوب العراقي الذي لن يهدأ أبدا، فهو المرشح الدائم على مستوى السياسة الدولية لحدوث الكثير من القلاقل فيه، وأنت تعلم تمام العلم يا شيخ ـ وقد نتفق وقد نختلف ـ أن جنوب العراق ـ وكل العراق ـ لن تسكته المنازل الراقية ولا المستشفيات الحانية التي تبنى من ثرواتنا ومقدراتنا! وما أن ينبت الريش مجددا، سيحلق طائر الجنوب الملغوم بالحقد والتنكر باتجاه حدودنا، ولنقل أني متشائمة.. فهل استعدت الكويت؟! .
الشيخ محمد، نحن نثمّن ونقدّر ما تقوم به الدولة من جهود لحفظ الأمن على الحدود، والقاصي والداني يعلم بمواقف القيادة السياسية الدائمة والمشرفة لدولة الكويت في مساعدة شعوب المنطقة ورفع المعاناة، وأعلم تماما أن هناك اتفاقيات دولية تفرض على جميع الدول الالتزام بها، كما أنه ليس من طبعي أن أطلق أحكاما مسبقة على الأمور، ومتيقنة تمام اليقين أن القيادة السياسية لديها معلومات غير متاحة للجميع، وأثق تمام الثقة بمن يقف وراء تحضير الوجبات في المطبخ السياسي الخارجي، ويقوم بتعديل المقادير بما يتناسب مع تحقيق مصلحة الدولة العليا، ولكن أين موازنة الصرف العادل بشقيها الداخلي والخارجي؟!، فالتبرع من حيث المبدأ لا نجادل فيه، ولكن هناك شروط لهذه التبرعات، أولها بعد سد حاجات المواطنين أن تذهب لمن يستحق، والحكومة لم تف بالشرطين، وبالأمس شاهدنا جميعا كيف بخلت الحكومة ومجموعة الـ26 على الشعب بإسقاط فوائد القروض عن كاهل المواطنين، متذرعة بتبديد الأموال العامة وإرهاق الميزانية .
كلمة بعد الأخيرة.. رحم الله الملك خالد بن عبدالعزيز آل سعود، حينما سأل عن التبرعات الخارجية ودور المملكة فيها قال: «أنا مسؤول عن أبناء شعبي، فحين أنتهي من ذلك لكل حادث حديث»، ورحم الله الشيخ صباح السالم الصباح الذي اقتبست من أبياته الشهيرة عنوان المقال، وأنت تعلم جيدا يا شيخ ماذا تمثل هذه الأبيات لعموم الشعب الكويتي.. أودع الجميع بالشطر الأخير «أضيق لا من ضاق وأستر لا من حب» .

Digg
Del.icio.us
Reddit
Netscape
Furl
Yahoo
Googlize this
Blinklist
Facebook
Wikio




زمن جميل ورجال دولة الكل قصير برؤيته بالمقارنه معهم .
كاسمك الطيب .... وضحه
اسم جميل له معاني طيبة ، هذا الزمان به من الجحود والانكار وجلد الذات لكثرة الخطائيين والمنافقين .
قله هم الرجال وكثر هم اشباه الرجال ، والمعنى يخص الرجال اصحاب القرار
من يمعن النظر للكويت يشعر بانه كحال من ينظر الي ماضى لاعوده اليه الا من خلال الذكرى .
كم كانت البساطه والعفويه والحب جميل في زمن الكويت
لكن اتعرفين ياوضحه لماذا الامر هكذا ؟
لاننا بكل بساطة نستعين بمن لاراى له ولانظر في تنصيب الامور وتخطيط الدول والتعليم والصياغة القانون ، فلكل يقول حاضر ياريس بالامر يابيه .
وتبين الكويت تتطور
اذا لبسوا بنات هالزمن برقع جدتي ( رحمة الله عليها ) يصير